محمد بن جرير الطبري

183

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ما تقول في امرأة قشرت وجهها ؟ قال : ما لها لعنها الله غيرت خلق الله . حدثني أبو السائب ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، قال : قال عبد الله : لعن الله المتفلجات والمتنمصات والمستوشمات المغيرات خلق الله . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : لعن الله الواشرات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة عن عبد الله ، قال : لعن الله المتنمصات والمتفلجات قال شعبة : وأحسبه قال : المغيرات خلق الله . قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال : معناه : ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ، قال : دين الله ، وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه ، وهي قوله : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ الروم : . وإذا كان ذلك معناه دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه من خصاء ما لا يجوز خصاؤه ، ووشم ما نهى عن وشمة وو شره ، وغير ذلك من المعاصي ، ودخل فيه ترك كل ما أمر الله به ، لأن الشيطان لا شك أنه يدعو إلى جميع معاصي الله ، وينهى عن جميع طاعته ، فذلك معنى أمره نصيبه المفروض من عباد الله بتغيير ما خلق الله من دينه ؛ ولا معنى لتوجيه من وجه قوله : وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ إلى أنه وعد الأمر بتغيير بعض ما نهى الله عنه دون بعض ، أو بعض ما أمر به دون بعض . فإذ كان الذي وجه معنى ذلك إلى الخصاء والوشم دون غيره ، إنما فعل ذلك لأن معناه : كان عنده أنه عنى به تغيير الأجسام ، فإن في قوله جل ثناؤه إخبارا عن قيل الشيطان : وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ما ينبئ أن معنى ذلك غير ما ذهب إليه ، لأن تبتيك آذان الأنعام من تغيير خلق الله ، الذي هو أجسام . وقد مضى الخبر عنه أنه وعد الأمر بتغيير خلق الله من الأجسام مفسرا ، فلا وجه لإعادة الخبر عنه به مجملا ، إذ كان الفصيح في كلام العرب أن يترجم عن المجمل من الكلام بالمفسر وبالخاص عن العام دون الترجمة عن المفسر بالمجمل ، وبالعام عن الخاص ، وتوجيه كتاب الله إلى الأفصح من الكلام أولى من توجيه إلى غيره ما وجد إليه السبيل . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً يَعِدُهُمْ . وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن حال نصيب الشيطان المفروض من الذين شاقوا الله ورسوله من بعد ما تبين لهم الهدى ، يقول الله : ومن يتبع الشيطان فيطيعه في معصية الله ، وخلاف أمره ، ويواليه فيتخذه وليا لنفسه ونصيرا دون الله ، فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً يقول : فقد هلك هلاكا ، وبخس نفسه حظها فأوبقها بخسا مبينا يبين عن عطبه وهلاكه ، لأن الشيطان لا يملك له نصرا من الله إذا عاقبه على معصيته إياه في خلافه أمره ، بل يخذله عند حاجته إليه . وإنما حاله معه ما دام حيا ممهلا بالعقوبة ، كما وصفه الله جل ثناؤه بقوله : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً يعني بذلك جل ثناؤه : يعد الشيطان المريد أولياءه ، الذين هم نصيبه المفروض أن يكون لهم نصيرا ممن أرادهم بسوء ، وظهيرا لهم عليه ، يمنعهم منه ويدافع عنهم ، ويمنيهم الظفر على من حاول مكروههم والفلج عليهم . ثم قال : وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً يقول : وما يعد الشيطان أولياءه الذين اتخذوه وليا من دون الله إلا غرورا ، يعني : إلا باطلا . وإنما جعل عدته إياهم جل ثناؤه ما وعدهم غرورا ، لأنهم كانوا يحسبون أنهم في اتخاذهم إياه وليا على حقيقته من عداته الكاذبة وأمانيه الباطلة ، حتى إذا حصحص الحق وصاروا إلى الحاجة إليه ، قال لهم عدو الله : إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إبراهيم : ، وكما قال للمشركين